فكيف إذا مررت بدار قوم ** وجيران لنا كانوا كراما
فجائع الأيام تجيء وتقع دوماً
مخلفة حزناً وأسى يطول مكثه في طوايا النفوس البشرية حسب حجم مصيبة كل إنسان ومدى
عمقها في نفسه، وكلّما يكون الغادي الراحل لصيقاً بالنفوس يكون رحيله محزناً
وموجعاً، وأكثر حرارة على هضبات القلوب كفقد الوالدين أو أحدهما ، وكل غالي من
الأخوة والأبناء، بل ومن الجيران الأخيار الذين تطول مجورتهم، وتسود الألفة
والتعاطف فيما بينهم رجالاً ونساء، فبالأمس القريب انتقلت إلى رحمة الله الأخت
الفاضلة منيرة بنت ناصر الزيدان (أم ناصر بن عبدالعزيز الباتلي) وذلك في ليلة
الجمعة 16/6/1437هـ بعد معاناة طويلة مع المرض، وقد حزن الكثير على رحيلها من
أسرتها وأقاربها، بل ومن معارفها وجيرانها
لما تتصف به من دماثة خلق ولين جانب مع الكبير والصغير، وقد اتصفت بحبها
لإيناس الأطفال وإدخال السرور في نفوسهم، وبين جوانحهم بالتلطف معهم ومنحهم بما
يفرحهم ويبعث المسرات في قلوبهم، ولقد سعدت والدتنا وعقيلتي أم محمد بمجورتهن لها
-بحينا حي العزيزة بحريملاء عدداً من السنين سادها الحب والتآلف وتبادل الزيارات
فيما بينهن – رحمهنّ الله جميعاً -، ولقد مضت تلك السنون الجميلة كأنها حُلوم أو
بروق خواطف، ولم يبق منها سوى رنين الذكريات معهن ومع زوجها وأسرتها، ومن بقي على
قيد الحياة من جيران و أصدقاء:
الدهر
لاءم بين ألفتنا ** وكذاك فرق بيننا الدهر
ولا زلتُ متذكراً لحظات وداعها
لوالدتي ولزوجتي، وهي أي – أم ناصر – تهم بمغادرة منزلها إلى المنزل الجديد بحي
الحزم وبداخلها ما به من لوعات الفراق تاركة أثراً طيباً وسيرة حسنة – رحمها الله
ورحم زوجها رحمة واسعة وغفر لهما، فهي محبوبة لدى مجتمعها الأسري، ومغبوطة على ما
تتمتع به من صفات حميدة وحُسن تعامل وتوادد مع معارفها و محبيها:
وإذا
أحب الله يوماً عبده ** ألقى عليه محبة في الناس
والواقع أن حينا في البلد
القديمة كان حافلاً بالكثير من الجيران والأسر الكريمة الذين رحلوا وتوارى معظمهم
عن نواظرنا حميدة أيامهم ولياليهم، وكان يجمعنا مسجد واحد، ومباني طينية متلاصقة
كتلاصق قلوبهم صفاء ومحبة، الرجال يتبادلون التزاور فيما بينهم في أوائل الليالي،
فيحيون تلك الجلسات بالأحاديث الودية، وما يتخللها من طرائف وقصص مفيدة تؤنس
السامعين، أما النساء فيقضون جُل أوقات فراغهن بعد صلاة العصر وفي الآصال في أجواء
جميلة عامرة بالفكاهات، وذكر ما يَجِّدُ من أخبار في محيطهن الأسري.. وهكذا يقضون
ساعات فراغهن بما يؤنس ويجدد نشاطهن، ولكن أيام الحياة الهانئة لا تدوم، بل لا بد
أن يعقبها تفرق وزوال مهما طال الزمان، وهذه سنة الحياة منذ بدء الخليقة إلى يوم
النشور..، فما أجمل أن تسود المحبة بين الناس وبين الجيران، فقد أوصى رسول الهدى
محمد صلى الله عليه وسلم بإكرام الجار واحترامه،
وعلى أي حال فإن رحيل أم ناصر بن عبدالعزيز الباتلي قد أحدث فراغاً وحزناً
في نفوس أسرتها ومحبيها – تغمدها الله بواسع رحمته – وألهم ذويها وأبناءها وبناتها
ومحبيها الصبر والسلوان.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق